Menu
الرئيسيةإعلام المجلسمشاركات ثوريةخاطرة من زيارة دمشق

"كيلو تمر" .. مشهد من الجصار في الغوطة الشرقية

 

 

 


"كيلو تمر" .. مشهد من الجصار في الغوطة الشرقية
لم يعلم أحد من خارج الغوطة الشرقية أبداً حجم المعاناة التي تكبدها أهالي الغوطة الشتاء الماضي ، والأسى الذي عانوه وشدّة الحصار عليهم ..
تروي لي أختي اليوم بضعاً من القصص عن أيام الحصار العصيبة ، وهي تستذكر تلك الأيام ، وقد امتنعت عن إخبارنا بما يجري في تلك الأيام كي لا تظهر بمظهر المشتكية المتبرمة ، فهم يرون أنهم في أحسن حال ، ويخافون أن تذهب الشكوى بثوابهم ..!!!!
واليوم بعد أن خفّت المحنة قليلاً بزوال وطأة الشتاء ، آن لقصص الماضي أن تخرج ..
زارتها من غير ميعاد صديقة لها من طالبات المسجد .. بعد السلام والكلام طلبت منها (تمرة) ..!!
- زوجة أخي قد ولدت ، ولا حليب لديها لترضع مولودها بسبب قلة الغذاء ، ولا يوجد في الغوطة كلها حليب طبيعي أو مجفف لنسقي الرضيعة المولودة ، وقد تركتُ الطفلة تبكي وجئت أبحث لها عن تمرة لنضعها مع القليل من الماء ، علَّ ماء التمر يرويها ويعوِّض عليها انعدام الحليب ، وقد بحثتُ في كل المحلات فلم أجد فيها شيء ، وها أنا أدور على البيوت علي أجد تمرة هنا أو هناك لأجل تلك الرضيعة الجائعة ..!!
- سأبحث علّي أجد لك ما تطلبين ..!
وبما أن المطابخ في الغوطة لا شيء فيها ، بحثت في سقيفة المطبخ (العلّيّة) علها تجد شيئاً تقدمه لتلك المرأة ..
وهناك وجدت كيساً من التمر ، كان كيساً صغيراً بالكاد يبلغ (الكيلو واحد) ..
قسمته نصفين وأعطت صديقتها نصفه وتركت نصفه ..
- خذي نصفه وسأبقي عندي نصفه ..
- لا أريد نصفه ، تكفيني تمرة واحدة لنطعم الرضيعة اليوم ..!
- وماذا عن الغد ..؟؟ خذي نصفه واتكلي على الله ...
وحمدت الله أنها وجدت كيلو تمر يعينهم في وقت الشدة ، وقد كان في محله ..
بعد أيام زارتهم إحدى القريبات تسألهم عن تمرٍ أيضاً ..
فلديهم أيضاً مولود ، ولا غذاء للأم لترضعه ، ولا حليب في الغوطة .. نفس المأساة ...
ابتسمت هذه المرة واثقة ، وأعطتهم نصف ما بقي من التمر ..
بعد أيام امرأة ثالثة كانت تبحث عن نفس الشيء .. بنتها ولدت ولا تستطيع إرضاع وليدها لقلة الغذاء ، ولا شيء يمكن إطعامه للرضيع الجائع ..!
أعطتها ما بقي ، ثم أرسلت ابنها :
- ابحث في كل مدن وبلدات الغوطة ، محلاتها ودكاكينها عن تمر، واشتريه بأي ثمنٍ كان ..
- وماحاجتنا بالتمر ؟ الكيلو بقي لدينا وقتاً طويلاً ولم نأكله ..
- ليس لنا .. بأي وقت قد تأتينا جارة أو قريبة تحتاج فنعطيها ..!!
___________________
بضعة تمرات أنقذت حياة أطفال رضع في الغوطة ..
الحصار بلغ ذروته في الغوطة حتى صار الناس يأكلون بأوراق الخضراوات لانعدام الخبز ...
يلد المولود مشرفاً على الموت ، فلا الأم تجد غذاءاً لترضعه ، ولا في الغوطة غذاء له ليأكل ، وتكفي تمرات قليلة لتبقيه على قيد الحياة ، إن بقي ..
وإن أهل الغوطة على عمومهم لا يبخل أحدهم بشيء عندما يُطلب منه ، مهما قلَّ الزاد وانعدم الغذاء ، فلم نجد من يبخل بما عنده ويقول : أنا أحقُّ بغيري وكلُّنا في الهمّ سواء ..!!!
وبعد كل ذلك تقل لي بالحرف : "الحمد لله" رغم كل شيء كان حالنا أفضل من غيرنا .. فالغوطة التي بارك الله فيها قلَّ أن تجد فيها إنسان يشتكي أو يتبَّرم أو يسخط ...!!
إبراهيم كوكي

 

 

 

الأعلى